وسائل التعتيم الإحصائي في مصر
إصدار من نشرة "أرقام مصرية" يتناول وسائل التعتيم الإحصائي في مصر، التي تتنوع بين الإخفاء والتلاعب وبث الشائعات وتأخير الإصدارات وغيرها من الوسائل.
المتتبع لواقع الإحصائيات في مصر، يجد أن الدولة تحتكر إصدارها، عبر تقارير مؤسساتها أو تصريحات قياداتها، ورغم تأكيد الدستور ضرورة احترام حرية المعلومات وإلزامه الحكومة والمؤسسات الرقابية بتقديمها، تسعى الدولة في أحيان كثيرة إلى التعتيم أو التضليل.
وكانت مصر تصدر منذ عام 1910 بيانات وإحصائيات عديدة تشمل معظم مجالات الحياة، لكن كثيرا منها اختفى مع الوقت، رغم زيادة الهيئات المنتجة لها، ومنها: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (Capmas)، والجهاز المركزي للمحاسبات (ASA)، ووزارتا المالية والتخطيط.
وينص دستور مصر في المادة (66) على حرية البحث العلمي، وتؤكد المادة (68) ملكية الشعب للمعلومات والبيانات والإحصائيات، وتلزم الدولة بتوفيرها بشفافية، وتتكفّل المواد (71، 72، 73) بحرية الصحافة والنشر والتعبير، وحظر فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام أو الاجتماعات الخاصة.
وفي سبيل التعتيم على البيانات والإحصائيات في مصر، تتبع كثير من أجهزة الدولة مجموعة من الوسائل:
إخفاء الإحصائيات والبيانات
كان موقع وزارة التخطيط المصرية قبل 2014 واحدا من أهم وجهات الباحثين للحصول على كل ما يتعلق بالاقتصاد المصري، إذ كان يتيح بيانات خطة الدولة (الخمسية والسنوية)، وسلاسل زمنية تمتد لعشرين عاما عن المؤشرات الاقتصادية الكلية.
لكن تمت إزالة كل التقارير الخاصة بمتابعة خطة التنمية الاجتماعية والاقتصادية السنوية للدولة، وهي تقارير مهمة، وكاشفة، لأنها تبين الأداء الحقيقي للقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وماذا تحقق من الخطط التي تقدمها الحكومة لمجلس النواب.
التلاعب بمنهجية جمع البيانات
يمكن أن يحدث التضليل عبر اعتماد منهجية جمع بيانات لا تتطابق مع المعايير العالمية أو إهمالها كليا، ما يؤدي إلى الحصول على بيانات غير صحيحة أو غير دقيقة.
قد يقع ذلك عند حساب نسبة الفقر والبطالة، ما يؤدي إلى الخروج ببيانات قد لا تشتمل على جميع الفقراء والعاطلين أو تضم فئات غير مستحقة.
أو عند جمع البيانات وإجراء الإحصائيات بناء على واقع وزمن مختلف، ومن ذلك إعلان الحكومة في مارس/آذار 2020، موافقتها على أرقام موازنة العام المالي 2020/2021، في ضوء تقديرات ما قبل أزمة كورونا.
بث شائعات وإحصائيات مضللة
رغم ادعاء الدولة المصرية محاربة الشائعات فتصريحات كثير من مسؤوليها لا تثبت ذلك، إذ يداوم البعض منهم على إطلاق بيانات وإحصائيات غير دقيقة أو مضللة.
ولعل أبرزها تصريح السيسي (2018) عن "حجم الشائعات في مصر"، إذ قال إن الحكومة واجهت 21 ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر، ما يعني إحصاء 233 شائعة يوميا، بمتوسط تسع شائعات كل ساعة.
أضف إلى ذلك ما أعلنه السيسي أيضا عن إنجازه 11 ألف مشروع في 4 سنوات، أي بمعدل ثلاثة مشروعات في اليوم.
تأخير إصدار الإحصائيات والبيانات
ويمكن أن يتسبب تأخير إصدار الإحصائيات والبيانات في تضييع فرص على المستثمرين والمنظمات والمواطنين لدراسة الأوضاع واتخاذ قرارات مناسبة.
وأوضحت دراسة (2021) وصول التأخير أحيانا إلى عام كامل في حالة تقرير الوضع الخارجي لمصر، الصادر عن البنك المركزي، وخمسة أشهر في التقرير الشهري للبنك نفسه.
حتى أن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لم يطرح تقريره السنوي "مصر في أرقام" عن إحصائيات 2022 إلا في أغسطس/آب 2023، رغم أنه من المفترض إصداره في مارس/آذار من كل عام.
تقليص الرقابة والاستقلال
تكمن الأزمة الأكبر في الإحصائيات والبيانات المصرية في الافتقار لاستقلالية جمعها وإنتاجها، إذ عادة ما يكون رؤساء جهازي "التعبئة العامة والإحصاء" و"المحاسبات" من خلفيات أمنية وعسكرية، إضافة إلى تبعية الأخير للرئيس.
ويؤيد ذلك سجن الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات في محاكمة عسكرية لانتقاده الفساد، ثم تعيين خليفة له ينتمي للأمن الوطني (أمن الدولة سابقا)، بعدما أشرف على التحقيق بقضايا فساد انتهت بالبراءة.
المنع من التغطية الإعلامية
يمنع النظام الصحفيين والعاملين بمجال الإعلام من تغطية البيانات والإحصائيات أو اكتشافها، ويعمد إلى التمييز ضد الصحفيين ومنعهم من النشر أو دخول فعاليات عامة.
ووفق التقرير السنوي للمرصد العربي لحرية الإعلام الصادر مطلع 2023، فحتى نهاية 2022، تجاوز عدد المواقع المحجوبة في مصر 600 موقع، وبلغ عدد المحبوسين من الصحفيين والإعلاميين 47 شخصا، فيما وقع خلال العام 393 انتهاكا بينها انتهاكات منع من النشر والتغطية.
تقنين قيود تداول المعلومات
رغم أن دساتير مصر المتعاقبة حتى “دستور 2014” كفلت للصحفيين حق الحصول على المعلومات وتداولها، إلا أنها لم تقدم أي ضمانات أو آليات للحصول عليها بشفافية تامة.
بالعكس لم تصدر الدولة حتى الآن قانون تداول المعلومات وأصدرت أخرى مقيدة مثل قانون تنظيم الصحافة والإعلام الصادر 2018، الذي فرض على الصحفيين "الحصول على تصاريح في الأحوال التي تتطلب ذلك" لحضور مؤتمرات واجتماعات عامة وإجراء لقاءات مع مواطنين وتصوير أماكن غير محظورة.
كما أقرت مصر عام 2021، تعديلا على قانون العقوبات العسكري، الذي يعاقب كل من يجمع استبيانات أو إحصائيات عن الجيش أو مهامه أو أفراده الحاليين أو السابقين دون تصريح من وزارة الدفاع، ما يفتح الباب لمنع الصحفيين من التغطية بحجة عدم توافر التصاريح اللازمة.
* العدد السابق تناول أسباب ودوافع التعتيم الإحصائي في مصر، والمقالات أجزاء من بحث نفذته في أغسطس 2023.


